السيد كمال الحيدري
455
شرح نهايه الحكمه ( العقل والعاقل والمعقول )
قيلَ : إنَّ ما تنالهُ النفسُ من العلومِ ذاتيةٌ لها ، موجودةٌ فيها بالفِعل في بدءِ كينونَتها . ولمّا أُورد عليهم : أنّ ذلك يُنافى الجهلَ المشهودَ من الإنسانِ ببعض العلومِ والحاجةَ في فعليّتِها إلى الاكتسابِ ؟ أجابُوا بأنّها ذاتيةٌ فطريةٌ لها ، لكنّ اشتغالُ النفسِ بتدبيرِ البدنِ أغفلها علومَها وشَغَلها عن التوجّهِ إليها . وفيه : أنّ نحوَ وجودِ النّفسِ بما أنّها نّفسٌ أنّها صورةٌ مدبّرةٌ للبدنِ ، فتدبيرُ البدنِ ذاتىٌّ لها حيثما فُرضت نَفساً ، فلا يؤول الجمع بين ذاتيّة العلومِ لها ، وبين شاغليّة تدبيرِ البدنِ لها ، عن علومِها إلّا إلى المناقضةِ . نعم ؛ يتَّجِهُ هذا القولُ بناءً على ما نُسبَ إلى أفلاطونَ أنّ النفوسَ قديمةٌ زماناً ، والعلوم ذاتيةٌ لها ، وقد سَنَحَ لها التعلّقُ التّدبيرىُّ بالأبدانِ ، فأنساها التّدبيرُ علومَها المرتكزةَ في ذواتِها . لكنّهُ فاسدٌ بما تحقّقَ في علمِ النفسِ ، من حدوثِ النفوسِ بحدوثِ الأبدانِ على ما هو المشهورُ أو بحركةِ جواهرِ الأبدانِ بعد حُدوثِها . وربّما وُجِّهَ القولُ بقدَمِها بأنَّ المرادَ به قِدَمُ نشأتِها العقليّةِ المتقدّمةِ على نشأتِها النفسانيةِ ، لكن لا يثبت بذلكَ أيضاً أن حصول العلمِ بالذكرِ ، لا بالانتقالِ الفكرىِّ من الأسبابِ إلى المسببّاتِ ، أو من بعضِ اللّوازمِ العامّةِ إلى بعضٍ آخر ، كما تقدّم .